Skip to main content

طيورنا وهجرة أوطانها


للطيور موسم خاص تبدأ فيهِ هجرة عشها وموطنها بحثاً عن مكان أكثر دفئاً وفيهِ وفرة من الغذاء كي تقتات عليهِ، وهذا الطبيعي. والإنسان كذلك غالبًا ما تدفعهُ ظروف الحياة سواء كان بإرادتهِ أو غير إرادتهِ إلى ترك بلاده وهجرها والبحث عن مُستوى أفضل للعيش والأمان، ولتوفير مقومات أفضل للحيّاة الكريمة التي ربما قد حُـرم منها. أو ظروفًا أقوى منهُ تجبرهُ على الهجرة.
والهجرة لها أنواع مُتعدّدة منها: الهجرة الداخلية والهجرة الخارجية والهجرة الموسمية وأخيراً النزوح ألقسري. كما إن لها أسبابها ومُسبباتها وآثارها على الإنسان وعلى حياتهِ وأوضاعهِ وأوضاع بلده وحرمانهِ من الكثير من الكفاءات النادرة. وأحيانًا قد تكون في صالحهِ هذه الهجـرة وأحيانًا أخرى ضده. وأيضًا قد يكون هو من يصنع هذه الهجرة، أو الطبيعة من تكون لها يدٌ في هجرة الإنسان.
قديمًا كانت الناس تُخطط لتُهاجر بإرادتها من مسكن إلى آخر داخل الحي أو المدينة الواحدة، أو كانوا ينتقلون من الريف إلى الحضر، بحثًا عن حياة أفضل أو لمواصّلة الدراسة أو ربما العمل ما كان يضطرهم إلى ترك الريف والهجرة إلى الحضر. ولكن هنالك ظروف خارجة عن إرادتهِ تضطرهُ إلى ترك مسكنهِ أو بالأحرى بلده، منها ظروف الحرب وما تسببهُ من تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية  والمعيشية وأيضاً الاضطرابات الأمنية والاضطهاد العرقي.
وأحياناً قد ترجع بعض أنواع الهجرة إلى أسباب شخصية كما في الهجرة الخارجية، مثل رغبّة المُهاجر في إن يكون مع أسرتهِ التي سبقتهُ في السفر أو ليكون مع شريك حياتهِ كما يحدث حاليًا في الزواج عبّر الدول، أو تكون الهجرة كشكل من أشكال التحول في الحيّاة والعيش في بلدان أكثر تقدمًا.
نستخلص مما سبّق بأن الهجرة هي انتقال الإنسان سواء كان بمُفرده أو كمجموعة من موطنهِ الأصلي إلى موطن آخر، لفترة قد تمتد مدّى الحياة، تاركة آثاراً واضحة على المجتمع الذي هجرتهُ وحاملة معها آثاراً اجتماعية واقتصادية وثقافية إلى المُجتمع الجديد. بينما النزوح يُعرف بأنهُ انتقال النازح رُغمًا عن إرادتهِ (قسريًا) بسبب مؤثر خارجي مُهددٌ لحياتهِ كالحرب والمجاعة والكوارث وانتهاكات للحقوق، وصراعات ونزاعات مُسلحة داخلية وخارجية. فالهجرة تختلف عن النزوح، لأن الأخير يتم قسـراً وبلا رغبة واختيار من الفرد أو الجماعة، بسبب ظروف قهرية وإجبارية تدفعهم إلى الهجـرة بدون سابق تخطيط أو إنذار.
وآياً كانت الهجرة فأنها تترك آثراً في النفس وخاصة إذا كانت إجبارية وبدون رغبة وإرادة الفرد (النزوح القسري). لأنهُ لا يوجد مكان يعوض عن المكان الأصلي وعبق رحيقهِ ونسمة هوائهِ، ولكن ما باليد حيلة. فمع تبدل الأحوال في كل بلدٍ واضطرابها، ودخول الحروب المتتالية على الخط، كثر القتل والدمار وازدادت نسبة النازحين إلى البلدان المُجاورة، فلمْ تترك خيار أمام الشباب غير الابتعاد والرحيل إلى المجهول. 
وبالرغم من حُبّ الوطن وتلك الصّلة الحميمة بالأرض، الشبيهة بصّلة الرحم، ألا إن أجيالاً كثيرة دأبتْ على الهجرة، بحثاً عن الأفضل والسنين المهدورة من حياتهم التي تستهلكها الحروب وتفاجئهم دائمًا باغتيالات وبدمار منازلهم وحياتهم وتشتتهم وتبعثرهم وتمزق وحدتهم، جاعلة الأبناء يبتعدون عن الأهل وعن الأرض! تاركين  كل ما هو مألوف لهم من أسرهم وأصدقائهم  ومساكنهم وأعمالهم وممتلكاتهم. وتحملهم نفقات فوق طاقتهم بسبب السفر الاضطراري الذي ظهر في دربهم فجأة، ونفقاتهِ التي تتضمن وصولهم إلى البلد الجديد من مسكن وعمل ...الخ.  والبطالة وصعوبة الاندماج في المجتمع الجديد. وغالباً ما تكون خسارتهم أكبر عندما يفتقدون أقاربهم وأعزائهم. وقبل كل هذا تفاجئهم الحروب  باغتيال أشواقهم وأحلامهم! حاملة طيورنا كيّ يرحلوا على غير ميعاد على الهجرة قبل موسم هجرتها.
لا يوجد فردٌ ألا ولامستهُ حُرقة الهجرة وذاقَ مرارتها وصعّوبتها، سواء من هاجر أو من ودعّ أحبائهِ مُرغمًا، ناظراً إليهم وهم يُفارقونهُ. قصص كثيرة تروّى عن الهجرة  وصعّوبتها وألمها وتأثيرها على المهاجرين. ومنها هذه المرأة  التي تتكلم بحرقة وحنين وشوق عن هجرة أحبائها، وتحكي حكايتها بصورة مُختصرة قائلة:
أنا أمٌ لثلاثة أبناء، تركنا منطقتنا ومنزلنا بسبب كثرة ما نسمعهُ من دوي الرصاص والانفجارات المُستمـرة، التي فجـرت قلوبنا وآذاننا قبل منازلنا، ولمْ تترك لنا يومًا هانئاً نرتاح فيهِ. وبعد أن فاض بنا قررنا  ترك كل شيء والرحيل إلى منطقة أكثر أمانًا، ولكن مع ذلك لم تكن معيشتنا بالمستوى المطلوب والعمل قليل والأمل ضائع. فقرر أحفادي السفر إلى موطن آخر غير مُوطنهم، باحثين عن عيشهم ومُستقبلهم وحياتهم التي تذبل يومًا بعد يوم. وبقينا على حالنا ننتظر لـربما يبزغ فجر أمل جديد وتعود حياتنا ألينا مثلما كانت، ولكن أوضاعنا في الحرب زادتْ سوءً. وذات يوم فوجئتْ بقرار أبنائي اللحاق بأبنائهم! مُضيفين إلى الألم الذي في داخلي بسبب غياب أحفادي، ثغرةٌ عميقةٌ في الوجدان والعاطفة لا يحسّ بها ألا من ذاقَ مرارتها وفراغها وأثارها.
هكذا هو الفراق والبُعاد، يحملنا بعيداً عن أصولنا وأجدادنا ويمحّى حضورنا في أرضنا، وخصوصًا وإنها لمْ تهجرهُ كُرهًا، وإنما بسبب ضيق الأفق وسُبل العيش وفقدان الأمان. وهذا ما أكدتهُ عالمة الإنسانيات الأمريكية " مارغريت ميد" في عبارتها التي قالتْ فيها بأن:" الأجداد يحتاجون إلى الأحفاد كي يبقى العالم المتحول نابضًا بالحياة، بينما الأحفاد يحتاجون إلى الأجداد لكي يُساعدوهم على معرفة أصولهم، ولكي يمنحوهم حسًا بالتجربة الإنسانية في عالم قديم يجهلونهُ". 
طيورنا تُهاجر يومًا بعد يوم وأختلط موسم هجرتها مع المواسم الأخرى وضاع! مهاجرة وباحثة عن عش دافئ وأمنٌ يُعوض عشها، راكضة وراء الآمال والأحلام في الأصقاع. ولكن كم من الأحلام هي مُجرّد أوهامً، وكم من الأفراح تُخفي تحت ستارها قدرًا هائلاً من الأحزان. ولا ندرّي هل ننتظر طيورنا وهي عائدة على جناح الأشواق للقاء من فارقتهم مُرغمة، أم نلحق بهم نحن أيضاً ونترك أعشاشنا ؟!
وفي نفسي شوقٌ وظمأ دائمٌ، وحلمٌ بعيدٌ يبتعد عني يومًا بعد يوم
في إن التقي من فارقني فجأة وتركني وحيدة في عالمي ووحدتي وألمي
بدون إن يُعلمني ويُخبرني بأنهُ راحلٌ، وبأني لن ألقاهُ وأشبعُ ناظري منهُ